2016/12/20

زيد بن حارثة


زيد بن حارثة

اسمه و نسبه :
زيد بن حارثَةَ بن شراحِيل بن كعب بن عبدالعزى بن يزيد بن امرئ القَيس بن عامر بن النّعْمان، الأَمير الشَهيد النّبوِي، الْمسمى في سورة الأَحزاب، أَبو أُسامةَ الكلْبي، ثُمّ الْمحمدي، سيد المَوالي، وأَسبقهم إلى الإِسلام، وَحِبُّ رسول الله، و أَبو حبِة، وما أَحب إلاَّ طَيّباً، ولم يسم اللهُ في كتابه صحابّا باسمه إِلاَّ زيداً، وعيسى بن مريَم.
حِبُّ رسول الله صلى الله عليه و سلم :
زيد رضي الله عنه هو حِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان قد أصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام في سوق حباشة، وهي سوق بناحية مكة كانت مجمعا للعرب يتسوقون بها في كل سنة، اشتراه حكيم لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فوهبته خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوة، وهو ابن ثمان سنين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منه بعشر سنين وقد قيل بعشرين سنة وطاف به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تبناه على حلق قريش يقول: " هذا ابني وارثا وموروثا ". يشهدهم على ذلك.
زواج زيد من زينب بنت جحش :
انطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم ليخطب لزيد بن حارثة رضي الله عنه، فدخل على زينب بنت جحش -رضي الله عنها- فخطبها، فقالت: لستُ بناكحته. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "بَلْ فَانْكِحِيهِ". قالت: يا رسول الله، أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدَّثان، أنزل الله تعالى قوله على رسوله صلى الله عليه و سلم: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا"(الأحزاب: 36)، فقالت رضي الله عنها: رضيتَه لي يا رسول الله منكحًا؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: نعم. قالت: إذن لا أعصي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قد أنكحته نفسي.
وبهذه الواقعة أراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يُحطِّم الفوارق الطبقيَّة الموروثة في الجماعة المسلمة، فيردَّ الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلاَّ بالتقوى، وكان الموالي -وهم الرقيق المحرَّر– طبقة أدنى من طبقة السادة، ومن هؤلاء زيد بن حارثة رضي الله عنه، فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يُحقِّق المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة من بني هاشم، قريبة النبي صلى الله عليه و سلم زينب بنت جحش؛ ليُسقط تلك الفوارق الطبقيَّة بنفسه في أسرته، وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطِّمها إلاَّ فعل واقعيّ من رسول الله صلى الله عليه و سلم تتَّخذ منه الجماعة المسلمة أسوةً، وتسير البشريَّة كلها على هداه في هذا الطريق.
طلاق زينب بنت جحش من زيد و إسقاط التبني :
ولكن الحياة لم تَسِرْ على وجهها المطلوب بين زيد بن حارثة رضي الله عنه وبين السيدة زينب بنت جحش -رضي الله عنها- فجاء زيد للنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يُطلِّق زينب، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّه، وقال له: "اتَّقِ اللهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ". فأنزل الله تعالى قوله:"وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ"(الأحزاب: 37). فالله تعالى قد أخبر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن زينب بنت جحش ستكون زوجةً من زوجاته، لكن النبي صلى الله عليه وسلم خاف المنافقين وأقوالهم؛ لأن زيدًا ابنٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبنِّي، لكن الله تعالى أخرج ما كان في صدر النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليكون زواجه من السيدة زينب بنت جحش -رضي الله عنها- ذات حكمة تشريعية عظيمة، وهي إسقاط التبني، وأول من يُطبِّق هذه الحكمة هو النبي صلى الله عليه وسلم على مَنْ تبنَّاه؛ إذ كان زيد منسوبًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان يُقال له: زيد بن محمد. ثم أُسقط التبني فنُسب لاسمه الحقيقي زيد بن حارثة رضي الله عنه.
زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش :
وبعد طلاق السيدة زينب من زيد بن حارثة رضي الله عنه، وبعد انقضاء عِدَّتها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة رضي الله عنه: "اذْهَبْ وَاذْكُرْهَا عَلَيَّ". يقول زيد: فلمَّا قال ذلك عظمت في نفسي، فذهبتُ إليها، وجعلتُ ظهري إلى الباب، وقلتُ: يا زينب، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُك. فقالت: ما كنتُ لأحدث شيئًا حتى أؤامر ربي عز وجل. فقامت إلى مسجد لها، فأنزل الله تعالى: "فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً"(الأحزاب: 37). فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن، وروي: أنه لما دخل صلى الله عليه وسلم بها، قال لها: ما اسمك؟ قالت: بَرَّة. فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب. وروي: أنه لما تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلَّم في ذلك المنافقون، فقالوا: حرَّم محمد نساء الولد، وقد تزوَّج امرأة ابنه. فأنزل الله تعالى:"مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"(الأحزاب: 40) وقال أيضًا:"ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا"(الأحزاب: 5).
ولمَّا نزل قوله تعالى: "فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا..."(الأحزاب: 37) كانت زينب -رضي الله عنها- تفتخر على بقيَّة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقول لهنَّ: زوجكنَّ آباؤكنَّ، وزوَّجني الله من فوق سبع سموات. وما أَوْلَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأةٍ من نسائه أكثر وأفضل ممَّا أولم على زينب، وقد أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه.
رحلة الطائف :
لم يأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم معه كوكبة من الصحابة لحمايته ولم يأخذ فارسًا من الصحابة ليكون له سندًا في رحلته إلى الطائف، لم يأخذ حمزة بن عبد المطلب أو عمر بن الخطاب أو الزبير بن العوام أو سعد بن أبي وقاص، وكذلك لم يأخذ صديقه الأول أبا بكر الصديق رضي الله عنه، كل هذا لكي لا يلفت الأنظار إليه إذا رآه أحد المشركين، ولكنه أخذ معه غلامه زيد بن حارثة، وكان قد أعتقه وتبنّاه وأطلق عليه زيد بن محمد، فرؤية زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مستغربة، وفي الوقت نفسه فزيد يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًّا شديدًا، ويستطيع خدمته وحمايته والتضحية من أجله، وقد ظهر ذلك بوضوح بعد زيارة الطائف وما حدث فيها. وزيد بن حارثة لم يكن صغيرًا في هذه الرحلة، كان يبلغ من العمر أربعين عامًا تقريبًا، وقد ظن بعض القارئين للسيرة أنه كان صغيرًا لأنه يطلق عليه غلام، ولكن غلام بمعنى خادم وليس بمعنى غلام صغير.
جهاده :
كان زيد أميراً و قائِداً من قوّادِ النبي صلى الله عليه و سلم، فعن سلمة بن الأكوع، قال: غزوت مع النبيِ صلى الله عليه وسلم سبعَ غزوات، وغزوت مع ابن حارثة، استعمله علينا. رواه البخاري.
وعن ابن عمر رضِي الله عنهمَا، أَن رسول اللهِ قَال فِي أَمارة زيد: "وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقاً لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ" متفق عليه.
وعن أم الْمؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: ما بعث رسول الله زيد بن حارثة فِي جيش قَط إِلاَّ أَمرَه عليهم، ولو بقي بعده استخلفه. رواه الإمام أحمد.
إستشهاده :
حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء قال عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فوثب جعفر فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرغب أن تستعمل علي زيدا فقال امض فإنك لا تدري في أي ذلك خير فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة فقال ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيدا استغفروا له فاستغفر له الناس ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدا إستغفروا له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فثبتت قدماه حتى قتل شهيدا استغفروا له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبعيه ثم قال اللهم هو سيف من سيوفك انتصر به فمن يومئذ سُمي خالد بن الوليد سيف الله.
وكانت مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وقتل زيد يومئذ وهو ابن خمس وخمسين سنة

عبدالله محمد ابراهيم


الابتساماتEmoticon